محمد سعيد رمضان البوطي
169
فقه السيرة ( البوطي )
فتكلم المهاجرون كلاما حسنا ، وكان منهم المقداد بن عمرو ، فقد قال : يا رسول اللّه ! امض لما أمرك اللّه فنحن معك . . ولكن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ظل ينظر إلى القوم ويقول لهم : « أشيروا عليّ أيها الناس » . فقال له سعد بن معاذ : واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه ، قال : « أجل » ، فقال سعد : لقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض لما أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ؟ . فسرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقول سعد ، ثم قال : « سيروا وأبشروا فإن اللّه قد وعدني إحدى الطائفتين . . واللّه لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم » . ثم إن النبي صلى اللّه عليه وسلم أخذ يتحسس أخبار قريش وعددهم عن طريق العيون التي بثها حتى علم المسلمون أنها ما بين التسعمائة والألف ، وأن فيهم عامة زعماء المشركين . وقد كان أرسل أبو سفيان إليهم أن يرجعوا إلى مكة ، إذ أنه قد أحرز العير ، ولكن أبا جهل أصر على المضي ، وكان مما قال : واللّه لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليه ثلاثا ، فننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا . ثم إنهم مضوا حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي ، ونزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند أدنى ماء من مياه بدر ، فقال الحباب بن المنذر : يا رسول اللّه : أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدم ولا أن نتأخر عنه ، أم هو الحرب والرأي والمكيدة ؟ قال : « بل هو الحرب والرأي والمكيدة » ، فقال : فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغوّر ما وراءه من الآبار ، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون ، فنهض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتحول إلى المكان والرأي اللذين أشار بهما الحباب رضي اللّه عنه « 1 » . واقترح سعد بن معاذ أن يا بني عريش للنبي صلى اللّه عليه وسلم يكون بمأمن فيه رجاء أن يعود سالما إلى من تخلف من المسلمين في المدينة وأن لا ينكبوا بفقده ، فوافق عليه الصلاة والسلام على ذلك ، ثم أخذ يطمئن أصحابه بتأييد اللّه ونصره ، حتى إنه كان يقول : « هذا مصرع
--> ( 1 ) روى ابن هشام في سيرته حديث الحباب بن المنذر هذا عن ابن إسحاق عن رجال من بني سلمة ، فهي فيما رواه ابن هشام رواية عن قوم مجهولين ، وذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في الإصابة فرواه عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وغير واحد في قصة بدر ، وهذا سند صحيح والحافظ ابن حجر ثقة فيما ينقل ويروي . ( راجع الإصابة : 1 - 302 ) .